فصل: تفسير الآية رقم (113):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (11):

{كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ذُنُوبُهُمُ الَّتِي أَخَذَهُمُ اللَّهُ بِهَا.
وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّ مِنْهُمْ قَوْمَ نُوحٍ، وَقَوْمَ هُودٍ، وَقَوْمَ صَالِحٍ، وَقَوْمَ لُوطٍ، وَقَوْمَ شُعَيْبٍ؛ وَأَنَّ ذُنُوبَهُمُ الَّتِي أَخَذَهُمْ بِهَا هِيَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ، وَتَكْذِيبُ الرُّسُلِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَاصِي، كَعَقْرِ ثَمُودَ لِلنَّاقَةِ، وَكَلِوَاطِ قَوْمِ لُوطٍ، وَكَتَطْفِيفِ قَوْمِ شُعَيْبٍ لِلْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا جَاءَ مُفَصَّلًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ فِي نُوحٍ وَقَوْمِهِ: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [29/ 14]، وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ وَكَقَوْلِهِ فِي قَوْمِ هُودٍ: {إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ} الْآيَةَ [51/ 41]، وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَكَقَوْلِهِ فِي قَوْمِ صَالِحٍ: {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} الْآيَةَ [11/ 67]، وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَكَقَوْلِهِ فِي قَوْمِ لُوطٍ: {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} الْآيَةَ [15]، وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَكَقَوْلِهِ فِي قَوْمِ شُعَيْبٍ: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [26/ 189]، وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا} الْآيَةَ، ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ وَقْعَةَ بَدْرٍ آيَةٌ أَيْ: عَلَامَةٌ عَلَى صِحَّةِ دِينِ الْإِسْلَامِ إِذْ لَوْ كَانَ غَيْرَ حَقٍّ لَمَا غَلَبَتِ الْفِئَةُ الْقَلِيلَةُ الضَّعِيفَةُ الْمُتَمَسِّكَةُ بِهِ الْفِئَةَ الْكَثِيرَةَ الْقَوِيَّةَ الَّتِي لَمْ تَتَمَسَّكْ بِهِ.
وَصَرَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ وَقْعَةَ بَدْرٍ بَيِّنَةٌ أَيْ: لَا لَبْسَ فِي الْحَقِّ مَعَهَا وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [8/ 42].
وَصَرَّحَ أَيْضًا بِأَنَّ وَقْعَةَ بَدْرٍ فُرْقَانٌ فَارِقٌ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ} الْآيَةَ [8/ 41].

.تفسير الآية رقم (14):

{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ} لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا كَمْ يَدْخُلُ تَحْتَ لَفْظِ الْأَنْعَامِ مِنَ الْأَصْنَافِ.
وَلَكِنَّهُ قَدْ بَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّهَا ثَمَانِيَةُ أَصْنَافٍ هِيَ الْجَمَلُ، وَالنَّاقَةُ، وَالثَّوْرُ، وَالْبَقَرَةُ، وَالْكَبْشُ، وَالنَّعْجَةُ، وَالتَّيْسُ، وَالْعَنْزُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا} [6/ 142]، ثُمَّ بَيَّنَ الْأَنْعَامَ بِقَوْلِهِ: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ} [6/ 143]، يَعْنِي الْكَبْشَ وَالنَّعْجَةَ: وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ، يَعْنِي: التَّيْسَ وَالْعَنْزَ إِلَى قَوْلِهِ: {وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ} [6/ 144] يَعْنِي: الْجَمَلَ وَالنَّاقَةَ، وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ، يَعْنِي: الثَّوْرَ وَالْبَقَرَةَ وَهَذِهِ الثَّمَانِيَةُ هِيَ الْمُرَادَّةُ بِقَوْلِهِ: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [39/ 6]، وَهِيَ الْمُشَارُ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ: {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا} الْآيَةَ [42/ 11].
تَنْبِيهٌ:
رُبَّمَا أَطْلَقَتِ الْعَرَبُ لَفْظَ النَّعَمِ عَلَى خُصُوصِ الْإِبِلِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ» يَعْنِي: الْإِبِلَ. وَقَوْلُ حَسَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: [الْوَافِرُ]:
وَكَانَتْ لَا يَزَالُ بِهَا أَنِيسٌ ** خِلَالَ مُرُوجِهَا نَعَمٌ وَشَاءُ

أَيْ: إِبِلٌ وَشَاءُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} الْآيَةَ. صَرَّحَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ اتِّبَاعَ نَبِيِّهِ مُوجِبٌ لِمَحَبَّتِهِ جَلَّ وَعَلَا ذَلِكَ الْمُتَّبِعِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ طَاعَةَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ عَيْنُ طَاعَتِهِ تَعَالَى، وَصَرَّحَ بِهَذَا الْمَدْلُولِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [4/ 80]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [59/ 7].
تَنْبِيهٌ:
يُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ عَلَامَةَ الْمَحَبَّةِ الصَّادِقَةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ اتِّبَاعُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَالَّذِي يُخَالِفُهُ وَيَدَّعِي أَنَّهُ يُحِبُّهُ فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ؛ إِذْ لَوْ كَانَ مُحِبًّا لَهُ لَأَطَاعَهُ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ عِنْدَ الْعَامَّةِ أَنَّ الْمَحَبَّةَ تَسْتَجْلِبُ الطَّاعَةَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [الْكَامِلُ]:
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لَأَطَعْتَهُ ** إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ

وَقَوْلُ ابْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ: [الْمُتَقَارِبُ]:
وَمَنْ لَوْ نَهَانِي مِنْ حُبِّهِ ** عَنِ الْمَاءِ عَطْشَانَ لَمْ أَشْرَبِ

وَقَدْ أَجَادَ مَنْ قَالَ: [الْبَسِيطُ]:
قَالَتْ وَقَدْ سَأَلَتْ عَنْ حَالِ عَاشِقِهَا ** بِاللَّهِ صِفْهُ وَلَا تَنْقُصْ وَلَا تَزِدِ

فَقُلْتُ لَوْ كَانَ رَهْنَ الْمَوْتِ مِنْ ظَمَأٍ ** وَقُلْتِ قِفْ عَنْ وُرُودِ الْمَاءِ لَمْ يَرِدِ

.تفسير الآية رقم (40):

{قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ} لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا الْقَدْرَ الَّذِي بَلَغَ مِنَ الْكِبَرِ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ أَنَّهُ بَلَغَ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَنْهُ: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} [19/ 8]، وَالْعِتِيُّ: الْيُبْسُ وَالْقُحُولُ فِي الْمَفَاصِلِ وَالْعِظَامِ مِنْ شِدَّةِ الْكِبَرِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: وَكُلُّ مُتَنَاهٍ إِلَى غَايَتِهِ فِي كِبْرٍ أَوْ فَسَادٍ أَوْ كُفْرٍ فَهُوَ عَاتٍ، وَعَاسٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى عَنْ زَكَرِيَّا: {امْرَأَتِي عَاقِرًا} [19/ 8]، لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا هَلْ كَانَتْ كَذَلِكَ أَيَّامَ شَبَابِهَا، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ أَنَّهَا كَانَتْ كَذَلِكَ قَبْلَ كِبَرِهَا بِقَوْلِهِ عَنْهُ: وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا الْآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ} لَمْ يُبَيِّنْ هَلِ الْمَانِعُ لَهُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ بُكْمٌ طَرَأَ لَهُ، أَوْ آفَةٌ تَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ لَا مَانِعَ لَهُ إِلَّا اللَّهُ وَهُوَ صَحِيحٌ لَا عِلَّةَ لَهُ.
وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ عَلَيْهِ وَأَنَّ انْتِفَاءَ التَّكَلُّمِ عَنْهُ لَا لِبُكْمٍ، وَلَا مَرَضٍ وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} [19/ 10]؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ سَوِيًّا حَالٌ مِنْ فَاعِلِ تُكَلِّمَ مُفِيدٌ لِكَوْنِ انْتِفَاءِ التَّكَلُّمِ بِطَرِيقِ الْإِعْجَازِ وَخَرْقِ الْعَادَةِ، لَا لِاعْتِقَالِ اللِّسَانِ بِمَرَضٍ، أَيْ: يَتَعَذَّرُ عَلَيْكَ تَكْلِيمُهُمْ وَلَا تُطِيقُهُ، فِي حَالِ كَوْنِكَ سَوِيَّ الْخَلْقِ سَلِيمَ الْجَوَارِحِ، مَا بِكَ شَائِبَةٌ بُكْمٌ وَلَا خَرَسٌ، وَهَذَا مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [3/ 41].
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ سَوِيًّا عَائِدٌ إِلَى اللَّيَالِي. أَيْ: كَامِلَاتٍ مُسْتَوِيَاتٍ، فَيَكُونُ صِفَةَ الثَّلَاثِ، وَعَلَيْهِ فَلَا بَيَانَ بِهَذِهِ الْآيَةِ لِآيَةِ آلِ عِمْرَانَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ} الْآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا هَذِهِ الْكَلِمَةَ الَّتِي أُطْلِقَتْ عَلَى عِيسَى؛ لِأَنَّهَا هِيَ السَّبَبُ فِي وُجُودِهِ مِنْ إِطْلَاقِ السَّبَبِ وَإِرَادَةِ مُسَبِّبِهِ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهَا لَفْظَةُ كُنْ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ} [3/ 59]، وَقِيلَ: الْكَلِمَةُ بِشَارَةُ الْمَلَائِكَةِ لَهَا بِأَنَّهَا سَتَلِدُهُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.

.تفسير الآية رقم (46):

{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا مَا كَلَّمَهُمْ بِهِ فِي الْمَهْدِ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَهُ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ بِقَوْلِهِ: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [19/ 29/ 33].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} أَشَارَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى قِصَّةِ حَمْلِهَا بِعِيسَى وَبَسْطِهَا مُبَيَّنَةً فِي سُورَةِ مَرْيَمَ بِقَوْلِهِ: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا} الْآيَةَ [16/ 17]. إِلَى آخَرِ الْقِصَّةِ وَبَيَّنَ النَّفْخَ فِيهَا فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ وَالْأَنْبِيَاءِ، مُعَبِّرًا فِي التَّحْرِيمِ بِالنَّفْخِ فِي فَرْجِهَا، وَفِي الْأَنْبِيَاءِ بِالنَّفْخِ فِيهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} الْآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا الْحِكْمَةَ فِي ذِكْرِ قِصَّةِ الْحَوَارِيِّينَ مَعَ عِيسَى، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي سُورَةِ الصَّفِّ أَنَّ حِكْمَةَ ذِكْرِ قِصَّتِهِمْ هِيَ أَنْ تَتَأَسَّى بِهِمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نُصْرَةِ اللَّهِ وَدِينِهِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} الْآيَةَ [14].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا مَكْرَ الْيَهُودِ بِعِيسَى، وَلَا مَكْرَ اللَّهِ بِالْيَهُودِ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنْ مَكْرَهُمْ بِهِ مُحَاوَلَتُهُمْ قَتْلَهُ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ} [4/ 157، 158]، وَبَيَّنَ أَنَّ مَكْرَهُ بِهِمْ إِلْقَاؤُهُ الشَّبَهُ عَلَى غَيْرِ عِيسَى وَإِنْجَاؤُهُ عِيسَى عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [4/ 157]، وَقَوْلُهُ: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} الْآيَةَ [157/ 158].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} الْآيَةَ.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَيْ مُنْجِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ فِي تِلْكَ النَّوْمَةِ وَيُسْتَأْنَسُ لِهَذَا التَّفْسِيرِ بِالْآيَاتِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا إِطْلَاقُ الْوَفَاةِ عَلَى النَّوْمِ، كَقَوْلِهِ: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} الْآيَةَ [6/ 60]، وَقَوْلِهِ: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [39/ 42].

.تفسير الآية رقم (65):

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ} لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا مَا وَجْهُ مَحَاجَّتِهِمْ فِي إِبْرَاهِيمَ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنْ مَحَاجَّتَهُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ هِيَ قَوْلُ الْيَهُودِ: إِنَّهُ يَهُودِيٌّ، وَالنَّصَارَى: إِنَّهُ نَصْرَانِيٌّ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} [2/ 140]،
وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ هُنَا بِقَوْلِهِ: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا} الْآيَةَ [3/ 66/ 67].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ}.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يَعْنِي إِذَا أَخَّرُوا التَّوْبَةَ إِلَى حُضُورِ الْمَوْتِ فَتَابُوا حِينَئِذٍ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} [4/ 18]. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا اتَّحَدَ الْحُكْمُ وَالسَّبَبُ كَمَا هُنَا.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَى لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ لَنْ يُوَفَّقُوا لِلتَّوْبَةِ حَتَّى تُقْبَلَ مِنْهُمْ وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} [4/ 137]، فَعَدَمُ غُفْرَانِهِ لَهُمْ لِعَدَمِ هِدَايَتِهِمُ السَّبِيلَ الَّذِي يَغْفِرُ لِصَاحِبِهِ وَنَظِيرُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ} [4/ 168، 169].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا} الْآيَةَ، صَرَّحَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْكُفَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُقْبَلُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ.
وَصَرَّحَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّهُ لَوْ زِيدَ بِمِثْلِهِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ أَيْضًا كَقَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ} [5/ 36]، وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِدَاءٌ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْهُمْ بَتَاتًا كَقَوْلِهِ: {فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [57/ 15]، وَقَوْلِهِ: {وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا} [6/ 70]، وَقَوْلِهِ: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ} [2/ 123]، وَالْعَدْلُ: الْفِدَاءُ.

.تفسير الآية رقم (97):

{فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} صَرَّحَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، أَنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ، وَأَنَّ كُفْرَ مَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ لَا يَضُرُّهُ شَيْئًا، وَبَيَّنَ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، كَقَوْلِهِ عَنْ نَبِيِّهِ مُوسَى: {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [14/ 8]،
وَقَوْلِهِ: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [39/ 7]، وَقَوْلِهِ: {فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [64/ 6]، وَقَوْلِهِ: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ} [10/ 68]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
فَاللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَأْمُرُ الْخَلْقَ وَيَنْهَاهُمْ لَا لِأَنَّهُ تَضُرُّهُ مَعْصِيَتُهُمْ، وَلَا تَنْفَعُهُ طَاعَتُهُمْ، بَلْ نَفْعُ طَاعَتِهِمْ لَهُمْ وَضَرَرُ مَعْصِيَتِهِمْ عَلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [17/ 7]، وَقَالَ: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} [41/ 46]، وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [35/ 15].
وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا» الْحَدِيثَ.
تَنْبِيهٌ:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} بَعْدَ قَوْلِهِ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [3/ 97]، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَحُجَّ كَافِرٌ، وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ.
وَفِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ كَفَرَ أَوْجُهٌ لِلْعُلَمَاءِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ كَفَرَ أَيْ: وَمَنْ جَحَدَ فَرِيضَةَ الْحَجِّ، فَقَدْ كَفَرَ وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. وَيَدُلُّ لِهَذَا الْوَجْهِ مَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ مِنْ أَنَّهُمَا قَالَا لَمَّا نَزَلَتْ: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [3/ 85]، قَالَتِ الْيَهُودُ: فَنَحْنُ مُسْلِمُونَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، فَقَالُوا: لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْنَا، وَأَبَوْا أَنْ يَحُجُّوا». قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [3/ 97].
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: {وَمَنْ كَفَرَ} [3/ 97]، أَيْ: وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ الْبَالِغِ فِي الزَّجْرِ عَنْ تَرْكِ الْحَجِّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ كَقَوْلِهِ لِلْمِقْدَادِ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ قَتْلِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْكُفَّارِ بَعْدَ أَنْ قَطَعَ يَدَهُ فِي الْحَرْبِ: «لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ الْكَلِمَةَ الَّتِي قَالَ».
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَحُجَّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَدْ كَفَرَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً، وَلَمْ يَحُجَّ بَيْتَ اللَّهِ فَلَا يَضُرُّهُ، مَاتَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا؛ وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [3/ 97]».
رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ هِلَالَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ الْبَاهِلِيِّ، وَهِلَالٌ هَذَا. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: مَجْهُولٌ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَفِي إِسْنَادِهِ أَيْضًا الْحَارِثُ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ عَلِيٍّ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إِنَّهُ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ. انْتَهَى بِالْمَعْنَى مِنِ ابْنِ كَثِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِي الْكَافِي الشَّافِ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْكَشَّافِ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَاهِلِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ رَفَعَهُ: «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، وَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا».
وَقَالَ: غَرِيبٌ وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَهِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَجْهُولٌ، وَالْحَارِثُ يُضَعَّفُ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَالَ: لَا نَعْلَمُهُ عَنْ عَلِيٍّ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ، وَالْعَقِيلِيُّ فِي تَرْجَمَةِ هِلَالٍ، وَنَقْلًا عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ: تَفَرَّدَ بِهِ هِلَالٌ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ بِلَفْظِ: «مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ عَنِ الْحَجِّ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ، أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ، أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ، فَمَاتَ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، أَوْ إِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا»، أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ شَرِيكٍ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ عَنْهُ، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُرْ أَبَا أُمَامَةَ وَأَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَدِيٍّ، وَابْنُ عَدِيٍّ وَأَوْرَدَهُ فِي الْكَامِلِ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي الْمَهْزُومِ يَزِيدَ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وَنَقَلَ عَنِ الْقَلَّاسِ أَنَّهُ كَذَّبَ أَبَا الْمَهْزُومِ، وَهَذَا مِنْ غَلَطِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي تَصَرُّفِهِ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى أَبِي أُمَامَةَ لَيْسَ فِيهَا مَنِ اتُّهِمَ بِالْكَذِبِ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَطَاقَ الْحَجَّ فَلَمْ يَحُجَّ فَسَوَاءٌ مَاتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} الْآيَةَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [64/ 16].
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ مُبَيِّنَةٌ لِلْمُرَادِ مِنْهَا فَقَوْلُهُ: حَقَّ تُقَاتِهِ، أَيْ: بِقَدْرِ الطَّاقَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا مَا بَلَغَتْهُ مُعَادَاتُهُمْ مِنَ الشِّدَّةِ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ مُعَادَاتَهُمْ بَلَغَتْ مِنَ الشِّدَّةِ أَمْرًا عَظِيمًا حَتَّى لَوْ أَنْفَقَ مَا فِي الْأَرْضِ كُلِّهِ؛ لِإِزَالَتِهَا وَلِلتَّأْلِيفِ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ شَيْئًا وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [8/ 62/ 63].

.تفسير الآية رقم (106):

{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} بَيِّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ اسْوِدَادِ الْوُجُوهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} الْآيَةَ [3/ 106].
وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} [39/ 60]. وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ اكْتِسَابَ السَّيِّئَاتِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا} [10/ 27]، وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ الْكُفْرَ وَالْفُجُورَ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} [80/ 40/ 42].
وَهَذِهِ الْأَسْبَابُ فِي الْحَقِيقَةِ شَيْءٌ وَاحِدٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَهُوَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ شِدَّةَ تَشْوِيهِ وُجُوهِهِمْ بِزُرْقَةِ الْعُيُونِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا} [20/ 102]، وَأَقْبَحُ صُورَةً أَنْ تَكُونَ الْوُجُوهُ سُودًا وَالْعُيُونُ زُرْقًا، أَلَا تَرَى الشَّاعِرَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَوِّرَ عِلَلَ الْبَخِيلِ فِي أَقْبَحِ صُورَةٍ، وَأَشْوَهِهَا اقْتَرَحَ لَهَا زُرْقَةَ الْعُيُونِ، وَاسْوِدَادَ الْوُجُوهِ فِي قَوْلِهِ:
وَلِلْبَخِيلِ عَلَى أَمْوَالِهِ عِلَلٌ ** زُرْقُ الْعُيُونِ عَلَيْهَا أَوْجُهٌ سُودُ

.تفسير الآية رقم (113):

{لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} ذَكَرَ هُنَا مِنْ صِفَاتِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ الْمُؤْمِنَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهَا قَائِمَةٌ، أَيْ: مُسْتَقِيمَةٌ عَلَى الْحَقِّ وَأَنَّهَا تَتْلُو آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَتُصَلِي، وَتُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وَتَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ.
وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهَا تَتْلُو الْكِتَابَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ وَتُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [2/ 121].
وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ، وَأَنَّهُمْ خَاشِعُونَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} [3/ 199]. وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُمْ يَفْرَحُونَ بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [13/ 36]. وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ إِنْزَالَ الْقُرْآنِ مِنَ اللَّهِ حَقٌّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} الْآيَةَ [6/ 114]، وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُمْ إِذَا تُلِيَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ خَرُّوا لِأَذْقَانِهِمْ سُجَّدًا، وَسَبَّحُوا رَبَّهُمْ، وَبَكَوْا، وَهُوَ قَوْلُهُ: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [17/ 107/ 109].
وَقَالَ فِي بُكَائِهِمْ عِنْدَ سَمَاعِهِ أَيْضًا: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} [5/ 83]،
وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، تُؤْتَى أَجْرُهَا مَرَّتَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} [28/ 51/ 54].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ} الْآيَةَ، يَعْنِي: وَتُؤْمِنُونَ بِالْكُتُبِ كُلِّهَا كَمَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ} [42/ 15]، وَقَوْلُهُ: {كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ} الْآيَةَ [2/ 285].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} يَعْنِي: عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كَمَا بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [57/ 21]، وَآيَةُ آلِ عِمْرَانَ هَذِهِ تُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّمَاءِ فِي آيَةِ الْحَدِيدِ جِنْسُهَا الصَّادِقُ بِجَمِيعِ السَّمَاوَاتِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.